اسماعيل بن محمد القونوي

183

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تعالى وللتنبيه على ذلك قال في جواب سؤال الملك ربي أي أبرأه ربي وفي إضافة الرب إلى نفسه دون الجليس نكتة ولطافة . قوله : ( فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فقده بالمنشار ) فقده الفاء فصيحة أي فأمر الرجوع عن دينه فلم يرتد يعلم هذا من مذاق الكلام وثابت باقتضاء المرام . قوله : ( وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف فهلكوا ونجا ) وأرسل الغلام الكلام فيه مثل ما مر المنشار بكسر الميم والنون وبالشين المعجمة وقيل بالنون والياء التحتية والقد بمعنى القطع فدعا الغلام فاستجاب اللّه تعالى دعاءه فرجف بصيغة المجهول كذا قيل والظاهر أن هذا بصيغة المعلوم لأنه لازم قال تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ [ المزمل : 14 ] الآية أي تحرك تحركا شديدا إلا أن يقال إنه عدي بالباء أي اهتز وأما من عليه سوى الغلام فهلكوا برمتهم ونجا بسبب إيمانه . قوله : ( وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا ) وأجلسه أي عاد الملك إلى إهلاكه بوجه آخر لكمال حمقه حيث لم يتفطنوا بأن من نجا من هذه البلية نجا أيضا من ابتلاء آخر وأجلسه الخ قوله ليغرقه من الأفعال أي ليغرقه من أمره الملك باغراقه فدعا الغلام بقلب حزين بخلاصه عن هذه المصيبة فانكفأت بالهمزة أي انقلبت على من فيها والغلام داخل فيه لكنه أنجاه اللّه تعالى بلطفه ولذا قال فغرقوا ونجا وهي كرامة له ولما تفطن أن الملك الشقي يتصدى باهلاكه بوجه آخر أراد بيان سبب اهلاكه إما بالالهام أو ليترتب عليه خير كثير فقال قصرا للمسافة لست بقاتل الخ لأن الشر الجزئي إذا ترتب عليه الخبر الكلي يسوغ فعله وهنا كذلك فلا إشكال بأن الالقاء إلى الهلكة منهي عنه فكيف يجوز للمؤمن فضلا عن الولي . قوله : ( فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهما من كنانتي وتقول باسم اللّه رب الغلام ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات فآمن الناس وقالوا آمنا برب الغلام فقيل للملك نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي يا أماه اصبري فإنه على الحق فاقتحمت ) كنانتي ظرف للسهام فرماه الفاء فصيحة أي أخذ سهما من كنانته فرماه بعد الطلب فآمن الناس أي الناس الحاضرون وهذا هو مراده ببيان سبب قتله ومعرفته بذلك إما للفراسة أو للإلهام وأمر بالأخاديد بعد طلب الرجوع عن ذلك الإيمان ولذا قال فمن لم يرجع « 1 » الخ والمفهوم منه أن من رجع لم يطرح واستمر طرح من لم يرجع حتى جاءت أي إلى أن جاءت امرأة مؤمنة قانتة عابدة فتقاعست أي فتأخرت عن جانب النار كأنها أرادت بالرجوع ظاهرا وقلبها مطمئن بالإيمان فقال الصبي قبل أو أن نكلمه يا أماه

--> ( 1 ) وفيه أن تعذيبهم لإيمانهم في المستقبل لا في الماضي ولذا قيل إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ بصيغة إلا والمستقبل